الشيخ السبحاني

453

مفاهيم القرآن

فالإنسان هو فاعل التزكية والتدسية ومتوليهما ، والتزكية هي الإتمام والإعلاء بالتقوى ، لأنّ لازم التطهير هو الإنماء كما أنّ التدسية النقص والإخفاء بالفجور . والمقسم عليه : هو قوله : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْخاب‌َمَنْ دَسّاها » ، وربّما يتصوّر أنّ جواب القسم محذوف . قال الزمخشري : إنّ جوابه محذوف تقديره ليدمدمنّ اللَّه على أهل مكة لتكذيبهم رسول اللَّه كما دمدم على ثمود لأنّهم قد كذبوا صالحاً . وأمّا قوله : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها » فكلام تابع لقوله : « فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » على سبيل الاستطراد ، وليس من جواب القسم في شيء . « 1 » يلاحظ عليه : أنّه لو كان جواب القسم هو ما قدّره ، يفقد الجواب الصلة اللازمة بينه وبين الأقسام الكثيرة الواردة في سورة الشمس ، ولا مانع من أن يكون قوله : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها » جواب القسم ، بأن يكون تابعاً لقوله : « فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » . وعلى ما ذكرنا فالصلة بين الأمرين واضحة ، وهي أنّه سبحانه يذكر نعمه الهائلة في هذه الآيات التي لو فقد البشر واحداً منها لتوقفت عجلة الحياة عن السير نحو الأمام ، فمقتضى إفاضة هذه النعم وإنارة الروح بإلهام الفجور والتقوى هو المشي على درب الطاعة ، وتزكية النفس دون الولوج في طريق الفجور وإخفاء الدسائس الشيطانية .

--> ( 1 ) الكشاف : 3 / 342 .